د. عبدالله تركماني: المسيحيون والمواطنة في المشرق العربي (3 – 3) مخاطر هجرة المسيحيين Reviewed by Momizat on . د. عبدالله تركماني: كلنا شركاء إذا كان المسيحيون قبل نحو قرن من الزمان يشكلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنهم اليوم لا يزيدون على 5%، وقد تتراجع نسبتهم أكثر من ذ د. عبدالله تركماني: كلنا شركاء إذا كان المسيحيون قبل نحو قرن من الزمان يشكلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنهم اليوم لا يزيدون على 5%، وقد تتراجع نسبتهم أكثر من ذ Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » الاخبار المحلية » مجتمع » د. عبدالله تركماني: المسيحيون والمواطنة في المشرق العربي (3 – 3) مخاطر هجرة المسيحيين

د. عبدالله تركماني: المسيحيون والمواطنة في المشرق العربي (3 – 3) مخاطر هجرة المسيحيين

د. عبدالله تركماني: المسيحيون والمواطنة في المشرق العربي (3 – 3) مخاطر هجرة المسيحيين

د. عبدالله تركماني: كلنا شركاء

إذا كان المسيحيون قبل نحو قرن من الزمان يشكلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنهم اليوم لا يزيدون على 5%، وقد تتراجع نسبتهم أكثر من ذلك، كلما ارتفعت موجة الهجرة وازدادت معاناتهم وشعورهم بالاستلاب.

إنّ استهداف المسيحيين في المشرق ودفعهم للهجرة سيشكل استنزافاً لطاقات علمية وفكرية وفنية وأدبية يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية تشكل الموزاييك المجتمعي والتنوّع الثقافي، وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية.

ومن المهم أن يدرك العرب كلهم، بغض النظر عن ديانتهم وطائفتهم، أنّ المشروع الرامي إلى تقسيم الكيانات العربية الراهنة وإقامة دويلات جديدة في المنطقة على أساس ديني ومذهبي وإثني، يتطلب الشروع أولاً في تهجير المسيحيين العرب، لما يعنيه ذلك على المستوى العالمي من ” مشروعية ” فكرة وجود دول على أساس ديني، كما هو المطلب الإسرائيلي حالياً من العالم كله، ومن العرب والفلسطينيين خصوصاً، بأن يحصل الاعتراف بإسرائيل كدولة دينية يهودية.

إنّ فقدان التنوع الذي تميزت به المجتمعات المشرقية، من جراء الهجرة المسيحية، يعني: إعادة صياغة هذه المجتمعات على قاعدة اللون الواحد، الأمر الذي يؤدي الى استقواء التطرف من حيث هو رفض للآخر وإلغاء له، وانتعاش ثقافة الانغلاق على حساب ثقافة الانفتاح.

مما يقدم رسالة مزدوجة إلى العالم مفادها: أنّ الشرق يضيق ببعض أهله، وأنه يختنق بالتنوع والتعدد. وأنّ المسلمين في الغرب قد يحملون معهم هذه الثقافة بمضمونها الرافض للآخر، مما يعني أنهم غير قابلين للتكيُّف مع مجتمعاتهم الجديدة والاندماج فيها، مما يشكل قنبلة اجتماعية موقوتة. ومن شأن هذه الرسالة أن تصب المزيد من الزيت على نار ظاهرة ” الإسلاموفوبيا ” المشتعلة أصلاً، والتي تستمد قوتها التدميرية من الجهل والكراهية من جهة أولى، ومن سوء رد فعل بعض المتطرفين المسلمين من جهة ثانية.

الحل في دولة المواطنة

ليست الذمية جزءاً من العقيدة الاسلامية، ولا هي جزء من الشريعة. إنها عقد مدني توافق عليه المسلمون مع أهل الكتاب من مسيحيين ويهود خلال فترة الفتوحات الاسلامية لسورية الكبرى ومصر. وككل عقد يستمر أو يسقط برضى المتعاقدين.

إنّ قضية المسيحية المشرقية ليست عدداً ولا منّة، ولا حماية ولا حراسة ولا بناء كنائس، ولا ترميمها ولا قبة ولا قرع جرس ولا تسامحاً، إنها قضية الشعور التام بالمساواة كمواطنين والحقوق التامة كمجموعات وطنية أصيلة لها هي أيضاً قومياتها ولغاتها وعاداتها وحضاراتها. إنها قضية المشاركة السياسية في صناعة القرار الوطني.

إنّ تجديد دور المسيحيين العرب، فى الواقع والمستقبل، يتطلب بناء دولة القانون، وضرورة العمل على نشر ثقافة المواطنة وتدعيم مناخ الثقة المتبادلة والتنبُّه لمحاذير الاستغلال الخارجي، مع تأكيد أهمية النضال الحياتي المشترك للمسيحيين العرب مع المسلمين وكافة أبناء الوطن الواحد من أجل احترام كافة الحقوق، وفي مقدمتها حقوق المواطنة.

المسألة ليست تسامحاً من مسلمين حاكمين حيال مسيحيين محكومين، وليست في التزام تعاليم الدين الحنيف إزاء أهل الكتاب. إنّ ما تتضمنه قضية مسيحيي المشرق – في الصميم – هي قدرة العالم العربي على الانضمام إلى العالم الحديث أم عجزه عن ذلك. فما من مكان في عالم اليوم لمجتمعات ودول تنبذ جماعات تخالفها في الدين أو العقيدة.

إذ ليس المسيحي ضيفاً في بلاده وليس أجيراً عند سلطتها أو سواها، ولا منّة له في الانتماء إلى تاريخه وشعبه، لأنه إنسان في مجتمع ومواطن في دولة له عليها حقوق من الضروري أن يناضل في سبيلها، ولها عليه واجبات تحتم قيامه بدور يليق بانتمائه إليها، يتخطى السلطة وعلاقاته معها، كي يبلغ صعيد المواطنة العميق والحقيقي، الطبيعي وما بعد السياسي: مستوى التعاقد بينه كفرد في مجتمع وبين دولة يتجاوز وجودها أية سلطة عابرة أو طارئة أو قائمة.

وعلى المسيحي أن يرى في نفسه فرداً في مجتمعه، تتعين هويته بانتمائه إليه كجامعة ينتسب إليها مع بقية مواطنيه، ولا تتعين بانتسابه إلى أي تكوين جزئي من تكويناته، طائفة كان أم حزباً أم طبقة أم قبيلة… الخ. كما لا يتعين كذلك من خلال طريقة في فهم الدين تجعل منه فرداً خاصاً في طائفة مغلقة، علاقته بغير المنتمين إليها علاقة تحاجز متبادل لا علاقة تدامج وتفاعل. للمسيحي أن يكون على صعيده الذاتي صاحب دين، يعبر بواسطته عن علاقته الفردية والشخصية مع خالقه، لكنه في مستواه العام مواطن في دولة وفرد في مجتمع، تحدد مواطنته هويته ومواقفه والتزاماته، ومثلها انتماؤه إلى مجتــمعه العــربي – الإسلامي – المسيحي… الخ.

إنّ ما يحتاج إليه المسيحيون هو ” التمتع بمواطنة كاملة ” بحيث لا تتم معاملتهم كمواطنين أو مؤمنين من الدرجة الثانية، مثلما يحتاجون إلى مشاركة تامة، اعتماداً على مبادئ المساواة، التي لا تزال غائبة ومفقودة في مجتمعاتنا العربية.

فأن يقال أننا نريد دولة المواطنة يعني بالضرورة العمل لتكون كل الانتماءات ما قبل الوطنية، سواء العشائرية أم الطائفية أم الإثنية، هي الأضعف والأقل حضوراً أمام انتماء أقوى وأرقى هو الانتماء إلى الوطن الديموقراطي، وهذه النتيجة لن تكون حاسمة ومؤكدة إلا عبر دولة مواطنة تقنع كل فرد بأنّ حقه مصان ومتساوٍ مع الآخر، وأنّ ليس ثمة من يستطيع التعدّي عليه كائناً من كان. واستدراكاً، نقول أنّ دولة المواطنة هي أحد أهم معالم ربيع الثورات العربية المناهض للاستنقاع والاستبداد، والمطالب بالحرية والكرامة.

وإذا كانت المواطنة، التي تعاني تراجعاً، تمثل حلاً منشوداً لمشكلة تفاقم الهويات الفرعية في الواقع العربي المعاش، فقد يكون تعزيزها مقدمة في الوقت نفسه لحل مشكلة الهوية في علاقتها بالآخر في العالم، وفي الغرب بصفة خاصة. باعتبارها ترتبط بثقافة مدنية تقوم على التسامح تجاه الآخر (كل آخر) والحوار معه والبحث عن المشتركات ونبذ التطرف والتعصب. ومن شأن انتشار هذه الثقافة في المجتمعات العربية تجاوز الصدام على خلفية دينية ومذهبية وعرقية في الداخل، ووضع حد للصدام مع الهويات الأخرى في الخارج.

وهكذا يبدو أننا أمام واحد من خيارين: إما الانفصال، أي تفتيت هذه المنطقة إلى كيانات متناحرة، أو تدشينرحلة الخروج من هذه المصيدة نحو تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على الحكم الدستوري والمساواة والحريات والديموقراطية، وفي رأس هذه الحريات حرية المعتقد وحرية الرأي وحرية التفكير، وحق كل جماعة أو مجموعة في تطوير ثقافتها بالطريقة التي تراها ملائمة لها، بشرط عدم الاخلال بالعقد الاجتماعي المشمول بالقبول الحر لجميع المواطنين الأحرار.

خريطة طريق للمستقبل

في النظر إلى المستقبل تبرز في الأفق العربي المسدود ومضة أمل مثلى تتجلى بإيمان أكثرية العرب مسلمين ومسيحيين بضرورة الإبقاء على الحياة المشتركة، التي لن تؤثر فيها ممارسات أقلية موتورة، طاولت جرائمها أرواح المسلمين المسالمين قبل غيرهم. وفي هذا المجال يتوجب تكريس أجواء الاختلاف ضمن الوحدة، وتعزيز الحوار المشترك وقيم الاعتراف الواقعي المتبادل، وتغليب المساواة التي تنبذ ما يباعد، والتي تمكِّن المسيحيين العرب من القبض على أعنّة مصيرهم وعلى تحقيق مواطنيتهم وتمايزهم الحضاري، الذي أعطى لهذا الفضاء المشرقي التعددي، قيمته الفعلية.

ومع أنّ أغلبية المسيحيين العرب ينادون بالعَلمانية، فإنهم يدركون أنّ العالم العربي لا يستطيع الإقبال إلىمثل هذا الخيار الحضاري ما لم يُقبِل إقبالاً رضيّاً على تأويل النص والتراث تأويلاً خلاّقاً يستصفي فيه أبعاد القيمة الروحية الرفيعة التي يرنو إليها الإنسان العربي في نضاله الفكري والاجتماعي والسياسي. وحده مثل هذا التأويل خليقٌ بتغيير معرفي بنيوي في العقل العربي والذهنية العربية والفعل العربي.

وعلى عكس ما يصوره المشرّعون القروسطيون، لا تتناقض العلمانية مع الأديان بوصفها أدياناً، لكنها تتناقض مع إرادة سيطرة إحدى الإثنيات أو الأديان على النظام الاجتماعي والسياسي، وفرض نظرة إلهها على طريقة تفكير المواطنين، الأمر الذي ينمِّي السعار الديني والانكفاء على الذات لدى المحكومين من قبل النظام المهيمن. حيث تمارس الدولة العلمانية دورها بصفتها سلطة مدنية تبرز كل ما يوحد مواطنيها مستفيدة من التنوع والاختلاف، كما يتعلم كل فردٍ كيف يحيا قناعاته الخاصة محافظاً على مسافة كافية عنها تخوّله إقصاء التعصب الأعمى وعدم التسامح، فتحقق العلمانية بذلك توحيد الناس ضمن الدولة. وهي تفترض تمييزاً قانونياً بين حياة الإنسان الخاصة كما يعيشها هو، وبين بعده العام كمواطن: فكإنسان له ميزاته الخاصة في حياته الشخصية حيث يتبنى الشخص قناعة روحية، سواء كانت دينية أو غير دينية، ويستطيع بالتأكيد تقاسمها مع الآخرين، إلا أنّ السلطة العامة يجب ألا تقلق من هذا طالما بقي التعبير عن هذه القناعات والمذاهب متوافقاً مع حقوق الآخرين.

بالنسبة إلى الحالة العربية، فإنّ بناء الدولة الديمقراطية العلمانية، التي توفر للجميع المساواة الحقوقية، من شأنه تخطِّي الانتماءات الطائفية والمذهبية، وبالتالي تحويل الناس إلى مواطنين، والكف عن التعامل معهم كرعايا، على النحو الذي يصبحون فيه مشاركين فعليين في الحياة العامة بما يفتح آفاقاً أرحب للتطور الاجتماعي. أما إذا تأخر هذا الحل فإنّ تشظّي الكيانات الحالية قد يصبح قدراً لا فكاك منه، بعد توغّلها في سراديب الاحتراب والاقتتال والتدمير الذاتي.

ولأنّ الحرب على قوى التطرف والغلو الظلامية، هي حرب على عقول المواطنين وأفئدتهم، ولأنّ التكفير لا يقاوم إلا بإعمال التفكير، ثمة ضرورة للتصدي بحزم، فكرياً وفقهياً، للفكر الظلامي التكفيري، الذي لم يعد يستعدي غير المسلمين على الإسلام فحسب، بل ويفرق المسلمين أنفسهم، وأهل المذهب الواحد نفسه، إلى شيع وقبائل، يحرض بعضها على بعض، ويقتل بعضها بعضاً.

وكذلك استحضار وتعميم الصفحات المشرقة في التاريخ العربي – الإسلامي، وتعميم الوعي بها على أوسع نطاق ممكن، لمحاربة ثقافة الجهل والتجهيل التي تعتمدها القوى الظلامية والمتطرفة، والعمل لاستذكار الأدوار البارزة التي لعبها المسيحيون في تاريخ هذه المنطقة وحاضرها، بما يساعد على بناء مستقبل مشترك يستجيب لتطلعات شعوبنا وأمانيها.

وفي المقابل على مسيحيي المشرق العربي العمل بما ورد في الارشاد الرسولي الذي صدر بعد السينودس من أجل لبنان، الذي عقد في الفاتيكان في عام 1993: ” بودي أن أشدد بالنسبة إلى مسيحيي لبنان على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها. وأدعوهم إلى اعتبار انضوائهم إلى الثقافة العربية، التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، وتبوّأوا فيها موقعاً مميّزاً، لكي يقيموا، هم وسائر مسيحيي البلدان العربية، حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين. إنّ مسيحيي الشرق الأوسط ومسلميه وهم يعيشون في المنطقة ذاتها، وقد عرفوا في تاريخهم أيام عزٍّ وأيام بؤس، مدعوون إلى أن يبنوا معاً مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف إلى تطوير شعوبهم تطويراً إنسانياً وأخلاقياً “.

كما من الضروري التحدث عن النهضة التي يجب أن تقوم بها الكنائس ليكون حضورها في العالم العربي دافعاً لتعميق العيش المسيحي – الإسلامي المشترك وللالتزام بقضايا العالم العربي، من خلال خيار ” كنيسة العرب “.

خاتمة

هناك سلبيتان تطرحان المشكلة التي يواجهها مسيحيو الشرق: أولاهما، عدم احترام حقوق المواطنة في المساواة الكاملة أمام القانون في بعض الدول. وثانيتهما، عدم فهم روح التعاليم الإسلامية الخاصة بالعلاقة مع المسيحيين الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم ” أقرب مودة للذىن آمنوا “، والذي برر هذه المودة بقوله ” ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون “.

ولذلك فإننا مدعوون للعمل معاً من أجل تحويل السلبيتين إلى إيجابيتين: أولاً، من خلال احترام أسس وقواعد المواطنة التي تحقق المساواة في الحقوق والواجبات. وثانياً، من خلال تسفيه ثقافة الغلو والتطرف من حيث هي رفض للآخر واحتكار للحقيقة والحق.

المسيحيون والمواطنة في المشرق العربي: – مقاربة قُدمت في إطار الندوة العلمية الدولية في القيروان/تونس في الفترة ما بين 28 و 30 أيلول/سبتمبر 2015، بدعوة كريمة من ” مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان ” و ” جامعة الزيتونة ” حول ” الإصلاحية الإسلامية وسؤال الهوية “.

(المصدر: كلنا شركاء)

اكتب تعليق

Web designed and developed by Elie Sakali & Jack Sacali

الصعود لأعلى