من هو فارس كره بيت Reviewed by Momizat on . لن أرثي الصديق فارس الذي مات قبل الأمس فقد فعل ذلك قبلي المئات. ولن أكتب عن حياته المكافحة العصامية التي أوصلته ليكون من أهم الجراحين في مدينة حلب رغم أنه لم يت لن أرثي الصديق فارس الذي مات قبل الأمس فقد فعل ذلك قبلي المئات. ولن أكتب عن حياته المكافحة العصامية التي أوصلته ليكون من أهم الجراحين في مدينة حلب رغم أنه لم يت Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » منوعات » من هو فارس كره بيت

من هو فارس كره بيت

من هو فارس كره بيت

لن أرثي الصديق فارس الذي مات قبل الأمس فقد فعل ذلك قبلي المئات. ولن أكتب عن حياته المكافحة العصامية التي أوصلته ليكون من أهم الجراحين في مدينة حلب رغم أنه لم يتعلم في بلد أجنبي، بل سأكتب عن فارس الإنسان أو فارس المواطن المثال لأنه بالفعل كان كذلك.

عرفت فيه ذلك الطبيب المثقف القادم من منطقة بعيدة مهمشة في أقصى الجزيرة السورية التي تختلط فيها الإثنيات والمذهبيات اختلاطا مدهشا لم يكن يخلو من الاضطراب وخاصة بعد تبعية تلك المنطقة لسكين التقسيم القاسية بين ثلاث دول هي تركيا وسوريا والعراق ما جعله يتحدث الكردية والسريانية ويحمل اسما عربيا هو فارس وكنية أرمنية وهي كره بيت.

في جامعة حلب تطور وعيه الحضاري والإنساني أكثر واحس بفطرته وثقافته وموقعه الاجتماعي أنه لا بد أن ينحاز للفقراء ويدافع عنهم وهذا ما حافظ عليه طوال حياته.
وبرغم قدومه من بيئة نائية تسود فيها علاقات ما قبل الدولة فإنه لم يأخذ بالعصبية القومية كسرياني آشوري ولا بالعصبية الدينية كمسيحي واستطاع أن يتواصل مع الحركة المثقفة اليسارية التي كانت ناشطة في جامعة حلب آنذاك وأبلى في هذا المجال بلاء حسنا لا تزال آثاره الإيجابية واضحة وفعالة إلى الآن.

وعلى سبيل الطرافة التي برع بها كشخص ذكي يلتقط النكتة من الواقع فإنه أجاب على سؤال كنت قد طرحته عليه عن مدى المضايقة والصعوبة التي واجهته حين ذاك ققال: أكثر ما كان يزعجني يا سليم ليس هو الخطر من إعلان الرأي الصريح أو العمل السياسي الخطر بل رائحة جوارب الطلاب القادمين سفرا من أماكن بعيدة جدا بالحافلات الهوب هوب الذين كنت أستضيفهم وأساعدهم.

كم ضحكت وقتها من تلك النكتة غير المتوقعة التي لا زلت أذكرها الى الآن خاصة وأنني نظرت إلى جواربي النظيفة لأتأكد من أنه لا يلّمح إليّ بشيء وأنه فقط يريد تفريغ تعبه من غرفة العمليات في مشفى سلوم الذي كنا نعمل به معا.

استطاع الدكتور فارس التفاعل الإيجابي مع كل البيئات المدينية التي أحاطت به فكان عضوا في الكنيسة برغم كل ما تمثله من ثبات في العقيدة والتقليد وهو صاحب الشخصية التي تؤمن بالتغيير، وناشطا في النقابة في الحقلين الاجتماعي والثقافي برغم ادراكه أن النقابة تقع تحت ضغط الدعاية السياسية الرسمية وتحت رقابة صارمة من مؤسسات أمنية ليس لها علاقة بالعمل النقابي أو الثقافي، وحاملا لمشروع تغيير سلمي بعيد عن العقائدية والمراهنات السريعة على تقلب الظروف، وطبيبا جراحا يعشق مهنته حتى لو ضغطت على صحته ووقته.

لقد استطاع تكوين تلك العلاقات الخلاقة مع من لا يشبهونه كثيرا ولم يفقد بوصلته في يوم من الأيام. بوصلة الانحياز للفقراء وبوصلة التغيير.

رحمك الله أبو الفوارس كنت مواطنا سوريا شريفا تدرك أهمية التنوع وأهمية الثقافة وأهمية التغيير وفوق ذلك أهمية الحفاظ على المشتركات وتقليص الإختلافات عبر التعاون والاحترام لتحقيق مصلحة عموم السوريين.

أتخيلك متّ مبتسما برغم ألمك من فراق الوطن والتوقف عن العمل والواقع الفجائعي لسوريا والمنطقة العربية لأن حلمك يتجاوز اللحظة ويؤمن بعمق أن التغيير قادم فهو سنّة في هذا الحياة.

 

د. سليم بشارة
هولاندا ٥ آب ٢٠١٨

اكتب تعليق

Web designed and developed by Elie Sakali & Jack Sacali

الصعود لأعلى