الإسلام الشاميّ والمسيحيّة الشاميّة Reviewed by Momizat on . الأب جورج مسوح | 16 حزيران 2017 حين نتناول مسائل العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة لا بدّ من الأخذ في الاعتبار الملاحظات الآتية: 1) العلاقات ما بين المسلمين والمسيح الأب جورج مسوح | 16 حزيران 2017 حين نتناول مسائل العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة لا بدّ من الأخذ في الاعتبار الملاحظات الآتية: 1) العلاقات ما بين المسلمين والمسيح Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » المقالات » رأي » الإسلام الشاميّ والمسيحيّة الشاميّة

الإسلام الشاميّ والمسيحيّة الشاميّة

الإسلام الشاميّ والمسيحيّة الشاميّة

الأب جورج مسوح | 16 حزيران 2017

حين نتناول مسائل العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة لا بدّ من الأخذ في الاعتبار الملاحظات الآتية:

1) العلاقات ما بين المسلمين والمسيحيّين، وازدهارها وتدهورها، لا تقوم بالضرورة على أحكام الديانتين المسيحيّة والإسلاميّة الدينيّة والفقهيّة. بمعنى آخر، لا يمكن الكلام عن العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة بناء على تقوله النصوص الدينيّة وحسب.

2) لا بدّ من التمييز ما بين الخبرات التاريخيّة المختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة. فلا يجوز تعميم وقائع معيّنة جرت في أماكن وأزمنة محدّدة على كلّ زمان ومكان.

3) المسيحيّة التاريخيّة ليست واحدة، وليس الإسلام التاريخيّ واحدًا. فلا يجوز الحديث عن عموم المسيحيّين أو عن عموم المسلمين كأنّهم كتلة متراصّة لا تنوّع فيها على الإطلاق. أيّ ديانة من الديانات لها وجوه مختلفة باختلاف المذاهب والدول والأزمنة.

بدأنا قولنا اليوم بإيراد هذه الملاحظات الثلاث قبل أن نحاول تصويب بعض الاعتراضات التي أثارتها مقالتنا “مؤامرة ضدّ المسيحيّين ؟!” (النهار، 10 حزيران 2017)، والتي ذكرنا فيها ما يأتي: “لن يُقضى على المسيحيّين في أوطانهم إن هم لم يسهموا في القضاء على وجودهم وحضورهم. عاش المسيحيّون في ظلّ الدولة الإسلاميّة ثلاثة عشر قرنًا، ولم يغادروا بلادهم. وغير صحيح أنّهم كلّهم لجأوا إلى الجبال الحصينة خوفًا من فتك المسلمين بهم، فمعظم المسيحيّين عاشوا في المدن واختلطوا بالمسلمين وتقاسموا وإيّاهم الحياة المشتركة”.

عندما قلنا هذا الكلام إنّما كنا نورد وقائع تاريخيّة ما زالت مستمرّة إلى الآن، فالحضور المسيحيّ في دمشق وحلب وحمص وطرابلس والقدس وسواها من مدن بلاد الشام لم ينقطع منذ نشوء الإسلام إلى يومنا هذا. لذلك لا تجوز المقارنة ما بين التجربة التاريخيّة في بلاد الشام حيث الوجود المسيحيّ مستمرّ وما بين بلاد شمالي إفريقية أو تركيا حيث اندثر الوجود المسيحيّ.

لا يجوز أيضًا أن يُختزل اندثار المسيحيّة في إفريقية الشماليّة أو في تركيا بالعامل الدينيّ وحده. فالنظرة الاختزاليّة نظرة عوراء تشوّه الحقائق والوقائع. فمن أسباب زوال المسيحيّة في إفريقية الشماليّة أنّ التحالف القائم ما بين السلطة الدينيّة والسلطة الزمنيّة في روما ضدّ أبناء البلاد (البربر) من حيث استغلال الأراضي وحرمان سكّان البلاد من مقوّمات الحياة، وبخاصّة استغلالهم القمح الإفريقيّ لتوزيعه على أبناء روما وتجويع الأفارقة، وفرض نظام ضريبيّ وماليّ ظالم، ممّا أثار لدى الأفارقة حقدًا ضدّ روما والمؤسّسة الكنسيّة. وهذا ما دفع الأفارقة إلى اعتناق الدين الجديد الوافد إلى بلادهم إذ راوا فيه منقذًا من الطامعين بثروات أراضيهم (الأب بولس دِ سيزييه اليسوعيّ، أسباب زوال الكنيسة في إفريقيا الشماليّة بعد الفتح العربيّ، دار المشرق، 1993، ص 14-16).

أمّا في تركيا، فبعد سقوط القسطنطينيّة (1453) في يد العثمانيّين، بدأ تراجع الحضور المسيحيّ في آسية الصغرى. لكنّ “العلمانيّة” الأتاتوركيّة لم تكن أفضل حالاً مع المسيحيّين من الإسلام العثمانيّ، فمَن نجا من جور السلطنة قضت عليه القوميّة التركيّة المتشدّدة بتواطؤ من الغرب، وبخاصّة فرنسا التي سلخت أنطاكية ومحيطها (لواء الإسكندرون) من سورية وأهدتها لتركيا الكماليّة. ويسعنا هنا أن نذكر دور فرنسا وروسيا وسواهما في القضاء على الأرمن والسريان والروم الأرثوذكس على امتداد الجغرافية التركيّة من الأناضول وكبادوكيا وكيليكيا وأنطاكية إلى سائر المدن والقرى. أمّا في فلسطين، التي كان مسيحيّوها يشكّلون في بداية القرن العشرين نحو عشرين بالمائة من سكّانها فقد قضى الكيان الصهيونيّ عليهم وليس الخلافة الإسلاميّة إبّان ثلاثة عشر قرنًا من حكمها تلك البلاد.

يجمع الباحثون على القول إنّ اندثار المسيحيّة في هذه البلاد يعود إلى أسباب عدّة: سياسيّة ودينيّة واجتماعيّة وثقافيّة واقتصاديّة، ولا يمكن تعليل هذا الاندثار بسبب واحد هو انتشار الإسلام أو بسبب التعصّب الإسلاميّ. صحيح أنّ تعصّب بعض الحكّام المسلمين أدّى، في بعض الحقب، إلى تضييق الخناق على المسيحيّين، لكنّ أسبابًا أخرى أيضًا قد دفعتهم إلى التخلّي عن إيمان آبائهم وأجدادهم أو عن بلادهم.

        لا بدّ، في الختام، من الإقرار بحقيقة أنّ الإسلام الشاميّ يختلف عن سواه، كما أنّ المسيحيّة الأنطاكيّة (الشاميّة) تختلف عن سواها. لذلك، ما زلنا نؤمن بديمومة البقاء المسيحيّ في هذه البلاد، وبإمكان قيام أفضل العلاقات النموذجيّة ما بين مسلمي هذه البلاد ومسيحيّيها على أساس المواطنة التامّة واحترام المساواة والحرّيّات العامّة. ونكرّر القول بأنّ الشراكة المسيحيّة الإسلاميّة قدر محتوم لا مفرّ منه، على الأقلّ بالنسبة إلى المسيحيّين إذا تمسّكوا بالبقاء في بلادهم، حيث المسلمون والمسيحيّون مختلطون، مهما كان الثمن.

(المصدر: النهار)

اكتب تعليق

Web designed and developed by Elie Sakali & Jack Sacali

الصعود لأعلى