الطائفيّة مُفسدةٌ للدين Reviewed by Momizat on . بقلم: الأب جورج مسوح 13 أيار 2017 ينزعج السياسيّون من تدخّل رجال الدين في الشأن السياسيّ وبخاصّة حين لا يخدم هذا التدخّل مصالحهم، فيصرخون مطالبين بكفّ يد رجال ا بقلم: الأب جورج مسوح 13 أيار 2017 ينزعج السياسيّون من تدخّل رجال الدين في الشأن السياسيّ وبخاصّة حين لا يخدم هذا التدخّل مصالحهم، فيصرخون مطالبين بكفّ يد رجال ا Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » المقالات » رأي » الطائفيّة مُفسدةٌ للدين

الطائفيّة مُفسدةٌ للدين

الطائفيّة مُفسدةٌ للدين

بقلم: الأب جورج مسوح
13 أيار 2017

ينزعج السياسيّون من تدخّل رجال الدين في الشأن السياسيّ وبخاصّة حين لا يخدم هذا التدخّل مصالحهم، فيصرخون مطالبين بكفّ يد رجال الدين عن التدخّل في ما يعتبرونه حقلهم الخاصّ. غير أنّ هؤلاء السياسيّين أنفسهم يهلّلون لتدخّل رجال الدين حين يصبّ ذلك في مصلحتهم. فهل يجوز أن يتدخّل رجال الدين في الشأن السياسيّ أم لا؟ ومتى؟ وكيف؟

لو كانت بلادنا بلادًا تحيا حياة طبيعيّة بانتظام الدولة ومؤسّساتها وفق قواعد الدولة المدنيّة الحديثة، وأساها فصل السلطتين الدينيّة والسياسيّة، لما كان السؤال طُرح أصلاً، ولكان لكلّ رجل دين أن يمارس مواطنته الكاملة، بما فيها الحقّ بالتعبير السياسيّ وسواه. لكن، في بلادنا، مع مواطنتنا الناقصة، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا.

لكن في بلاد يستغل فيها رجال السياسة الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة والطائفيّة “لرعاياهم”، وفق المفهوم السلطانيّ للعبارة، هل يمكن الطلب من رجال الدين عدم التدخّل في شأن خاصّ بالسياسيّين؟ ولماذا، تاليًا، يحقّ لرجال السياسة استغلال الشعور الطائفيّ، والمطالبة بحقوق الطائفة… ولا يحقّ، بالمقابل، لرجال الدين إبداء رأيهم في الشؤون السياسيّة لرعاياهم بالمعنى الكنسيّ، لا السلطانيّ؟

يجدر الانتباه إلى أنّ فصل السلطتين يعني أن كلّ سلطة مستقلة عن الأخرى استقلالاً تامًّا. لكن، أيضًا، لا بدّ من التأكيد على حقّ رجل السياسة، كفرد من الجماعة الدينيّة لا كصاحب سلطة دينيّة، استعمال حقّه في إبداء موقفه في شؤون جماعته. وهكذا، أيضًا، يحقّ لرجل الدين، كمواطن فرد لا كصاحب سلطة في الشأن السياسيّ، أن يبدي رأيه في شؤون المجتمع كلّه. أمّا القاعدة المثلى في هذا الشأن، فأرساها ابن دمشق البارّ القدّيس يوحنّا الدمشقيّ المعروف باسم “منصور بن سرجون” (+750): “عمل الأباطرة هو حُسن نظام الدولة، أمّا تنظيم الكنيسة فمن عمل الرعاة والمعلّمين”.

بيد أنّ الانحطاط قد ساد معظم التاريخ الكنسيّ، فبسط الأباطرة والقياصرة سيطرتهم على الكنيسة ورجالاتها، بتواطؤ من بعض الإكليروس الطامعين باستلام السلطة، حتّى إنْ كانت سلطة وهميّة. وعلى حدّ قول س. ترويتسكي، أستاذ القانون الكنسيّ في جامعة بلغراد: “لا يمكننا أن نجد تثبيتًا لحقّ السلطة السياسيّة في التدخّل في شؤون الكنيسة الداخليّة لا في الكتاب المقدّس ولا في القوانين الكنسيّة… إنّ تدخّل السلطة السياسيّة في شؤون الكنيسة كان يحظى بموافقة بعض الأساقفة، بل إنّه كان في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لإلحاحهم” (مجموعة مؤلّفين، الكنيسة والدولة، منشورات النور، 1982، ص 16).

الفساد، إذًا، يستدعي الفساد. ولولا فساد رجال الدين لما استطاع السياسيّون استغلال الهويّات الطائفيّة في صراعاتهم الداخليّة، ولما كان لرجال الدين أن يحميهم السياسيّون لقاء صمتهم عن الانتهاكات التي يرتكبها السياسيّون بحقّ الطبقات المسحوقة في البلاد. ثمّة، إذًا، علاقة تبادليّة ما بين الفريقين عمرها منذ نشأة الأديان. هي ليست ظاهرة جديدة، إذ يشير إليها المؤرّخون المفكّرون في الديانات كلّها.

لكن هل هذا يعني أنّ على أصحاب الفكر الدينيّ ألاّ ينطقوا بالحقّ، بذريعة وجود الفاسدين والمرتهنين الذين لولا الدعم السياسيّ لما وصلوا إلى المواقع التي وصلوا إليها؟ الضمير الكنسيّ يرفض أن يصمت المؤمنون أمام الظلم والعدوان والتمييز، لذلك تنتفي كلّ الحواجز أمام الحقّ بالتدخل في الشؤون العامّة، الوطنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة.

(المصدر: النهار)

اكتب تعليق

Web designed and developed by Elie Sakali & Jack Sacali

الصعود لأعلى