عن اختزال الجماعة بالمشروع السياسي في سورية Reviewed by Momizat on . نجيب جورج عوض 31 ديسمبر 2016 يلحظ المتابع أن هناك استسهالاً شعبياً، وحتى ثقافياً خاطئاً مفاهيمياً، يتمظهر في مسألة المماهاة بين "الإسلام" و"الإسلام السياسي"، وا نجيب جورج عوض 31 ديسمبر 2016 يلحظ المتابع أن هناك استسهالاً شعبياً، وحتى ثقافياً خاطئاً مفاهيمياً، يتمظهر في مسألة المماهاة بين "الإسلام" و"الإسلام السياسي"، وا Rating: 0
انت هنا : الرئيسية » المقالات » مقالات سياسية » عن اختزال الجماعة بالمشروع السياسي في سورية

عن اختزال الجماعة بالمشروع السياسي في سورية

عن اختزال الجماعة بالمشروع السياسي في سورية
نجيب جورج عوض
31 ديسمبر 2016

يلحظ المتابع أن هناك استسهالاً شعبياً، وحتى ثقافياً خاطئاً مفاهيمياً، يتمظهر في مسألة المماهاة بين “الإسلام” و”الإسلام السياسي”، والتعامل معهما على أنهما تسميتان لحالةٍ واحدة. من هنا، يتحدّث العامة عن الإسلامويين وأتباع الإسلام السياسي على أنهم بداهةً سنّة أو شيعة. وبالتالي، أي فشل للإسلام السياسي أو نجاح له هو نكسة أو انتصار للمسلمين السنة أو الشيعة حصراً. ولكن دراسة متأنية دقيقة لحالة الإسلام السياسي في العالم العربي تفيد بأن أتباع الإسلام السياسي ليس بالضرورة أن يكونوا حتماً مسلمين أو متدينين أصلاً. ولنا في سورية نماذج عن هذا، ففي أوساط المعارضة التي تسير في ركب مشاريع الإسلاموية السياسية من هم ليسوا مسلمين (سنة أو شيعة) ولا متدينين أو ملتزمين دينياً بالإسلام. من جهة أخرى، هناك مسلمون، سنة وشيعة، لا يتبنون الإسلام السياسي بأيٍّ من أنماطه، وهم ملتزمون دينياً، ومتمسكون بتعريف أنفسهم بدلالة “الإسلام”. لهذا، حين ينتصر الإسلام السياسي أو يفشل، أو حين يرتكب أخطاء فادحة ومدمرة، أو يحقق نجاحاتٍ بارزة، لا يعني هذا بالضرورة أنَّ أتباع الإسلام هم جميعأً قد هزموا أو انتصروا أو قد أخفقوا أو نجحوا. حين نقول إن الإسلام السياسي خسر معركة حلب، وأخفق في مشروعه، هذا لا يعني بالضرورة أن المعارضين من الخلفية الإسلامية حصراً هم من هُـزِم. كل من يتبع أجندة الإسلاموية السياسية ومشروعها، سنياً كان أو شيعياً أو مسيحياً أو لادينياً أو ملحداً أو علمانياً، هم من خسر ومن تعرّض مشروعه للفشل، أو لنكسةٍ كبرى على الأقل.
المسألة الأكثر جديةً في المشهد السوري، والتي تبدت أمام أنظارنا خلطاً مشابهاً للخلط المذكور هو المماهاة بين النظام الأسدي والطائفة العلوية، واختزال الأخيرة بالأول تماماً، من دون الانتباه إلى تفريق مهم جداً لطالما حدثنا عنه الفيلسوف السوري الراحل، صادق جلال العظم، وهو التفريق بين “العلوية السياسية” والعلويين.
منذ تمت أدلجة الثورة السورية، ومن ثم أسلمتها فعسكرتها، درجت أوساط في المعارضة

السورية على تسمية نظام الأسد باسم “النظام العلوي في دمشق”، ولطالما تحدثت عن صراع بين “ثورة إٍسلامية” و”نظام علوي”. وفي المقابل، لعب النظام أيضاً اللعبة نفسها واستثمرها في ربط مصير الطائفة العلوية به، وبمآلات وجوده. لدينا هنا أيضاً مماهاة، سوّقتها المعارضة الإسلاموية، واستثمرها النظام، بين “العلوية السياسية” و”العلويين”، وهي مماهاة خطيرة وخاطئة تاريخياً وسياقياً في الواقع. العلوية السياسية قديمة في المشهد السوري، وتعود إلى ما قبل حكم الأسد الأب، إلا أنها لم تكن راسخةً وأيديولوجيةً وطائفيةً وإقصائيةً، إلا في عهد الأسدين. غلبَت على العلوية السياسية تاريخياً الميول القومية واليسارية، وليس الطائفية والديماغوجية. ومع وصوله إلى السلطة، قام حافظ الأسد بتحويل العلوية السياسية إلى مشروع طائفي، يماهي بين المشروع السياسي والوجود الطائفي، إلا أنَّ ما فعله في الواقع لم يكن أبداً “علوَنـَة” حزب البعث ومن ثم سورية. ما فعله هو “أسدَنَة” (من أسد) حزب البعث، ومن ثم “أسدَنَة” سورية. باتت البلد “سورية الأسد”، وليس “سورية العلوية”، وضمنت تلك “الأسدية السياسية” في طياتها شرائح من السوريين العلويين والسنة والشيعة والأكراد والمسيحيين والأرمن واللادينيين وسواهم. كل من انحنى لمنظومة الحكم الأسدية، وربط وجوده بها، وأعلن لها الطاعة والولاء والشراكة في الفساد، يمكن تسميته أحد أتباع “لأسدية السياسية”. ويمكن النظر إليه على أنه “علوي” بالمعنى السياسي والفئوي. ولكن، علينا أن نتذكّر أن كثيرين من أبناء الطائفة العلوية وبناتها في سورية رفضوا الانضواء تحت راية هذه “العلوية/ الأسدية السياسية”، وتمرّدوا على سياسة “الأسدنَة”، ودفعوا أثماناً باهظة جداً بسبب ذلك، أسوةً بكل من رفض الانضواء تحت راية تلك الحالة السياسية من باقي الشرائح الأخرى من المجتمع السوري.
هناك من عاد، في أعقاب مأساة ومذبحة حلب، ليقول إن المشهد السوري يؤول إلى انتصار

“النظام العلوي” في سورية وبقائه للأبد. من انتصر في حلب ليس “النظام العلوي”، إذ لم يكن هناك نظام “علوي” حقاً في سورية، بل “نظام أسدي”، ولم تكن “العلوية” يوماً لِتُختَزل بحالة “أسدية سياسية”. مثلما لا يمكننا، ولا يجب علينا، اختزال “الإسلام” بحالة “إسلاموية سياسية”. كلا الاختزالين، وعلى الجهتين، فعل خاطئ. من جهة أخرى، لا يشير ما حدث في حلب أبداً إلى انتصار “النظام الأسدي” في المشهد السوري. تقول معطيات المشهد السوري إنَّ “أيديولوجيا الأسدنـَة” انهارت في سورية، وإن نظام الأسد لم يعد بإمكانه الوجود أو الحكم في سورية، كما حكم في العقود الماضية. لم يبق “نظام أسدَنَـة” في سورية، منذ تحولت الثورة إلى حرب، ودخلت سورية لعبة صراع القوى. من تلك اللحظة، انتهت الدولة وأي حالة “نظام” في سورية. وحتى لو نجحت روسيا وإيران بإبقاء الأسد في سدة الرئاسة، فهو لن يتمكّن، بعد اليوم، من ممارسة سياسة الأسدنة، ولن يتمكّن من الاستمرار في عملية مماهاة “العلوية السياسية” بـ “العلويين”.
قد تكون إحدى النقاط المفيدة لمستقبل الشعب السوري من مقتلته الرهيبة أنه يمكن أن يلحظ أهمية التفريق بين “الإسلام” و”الإسلاموية السياسية” وبين “العلويون” و”العلوية الأسدية السياسية”. ومن دون هذا الدرس لا مستقبل لأي طرفٍ كان في المشهد السوري، لأن كل الجماعات ستغدو مجرد دمىً وأدوات في أيدي مشاريع سياسية اختزالية، تحمل عوامل تدميرها الذاتي في داخلها.

(المصدر: العربي الجديد)

اكتب تعليق

Web designed and developed by Elie Sakali & Jack Sacali

الصعود لأعلى